الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

373

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

باستعماله فيما دون الدرجة العليا من الجمع على حسب ما ورد عليه التخصيص وهو إذن مستعمل في بعض مراتب الجمع وليس إطلاق الجمع على تلك المرتبة إلا على وجه الحقيقة لوضع الجمع لما يشمل الجميع ولا اختصاص له وضعا بالدرجة العليا وإنما ينصرف إليه مع الإطلاق لما مر بيانه إذا تقرر هذه الجملة فقد يلخص لك منها أنه لا تجوز في التخصيص بالمتصل من الاستثناء وغيره من الوصف والغاية والشرط ونحوها أما الاستثناء فلما عرفت من عدم اشتراك المستثنى منه في خصوص الباقي بل إنما يراد الباقي من مجموع المستثنى والمستثنى منه فنحو عشرة إلا ثلاثة قد أريد من لفظ العشرة مفهومها وأريد بإلا ثلاثة إخراج الثلاثة منها من حيث تعلق الحكم به فيبقى السبعة متعلقا للحكم الوارد عليه بالمستفاد من مجموع الألفاظ المذكورة بملاحظة أوضاعها هو ذلك فكل من تلك الألفاظ قد استعمل في موضوعه وملخص ذلك من ملاحظة المجموع ولو كان لفظ العشرة مستعملا في خصوص السبعة على سبيل المجاز لكان ما يستفاد منه خصوص الباقي هو العشرة وكان الاستثناء قرينة عليه كسائر القرائن المقالية القائمة على إرادة المعاني المجازية من غير أن يتخلص ذلك من المجموع حسبما قررناه في دلالة المجاز وهو مما يأبى عنه ظاهر الفهم عند التأمل في المقام وما يشير إلى ذلك أنهم أنكروا أن فوائد الاستثناء تدارك ما فات المتكلم عند ذكر المستثنى منه إذ قد يغفل من خروج المستثنى بذكر المستثنى منه على إطلاقه فيظهر منه إسناد الحكم إلى المجموع ثم إذا تنبه على خروج المستثنى منه تداركه بالاستثناء مع بقاء محله وحينئذ فلا يراد به إخراج المستثنى عن المستثنى منه من حيث تعلق الحكم به وليس حينئذ قرينة على استعمال المستثنى في الباقي إذ المفروض استعماله في المجموع وقد يجعل الاستثناء في المقام قاضيا بنسخ الإرادة الأولية ودلالته على إرادة البعض عن ذلك اللفظ ثانيا إلا أن الظاهر بعده كما لا يخفى على المتأمل وإذا ظهر ورود الاستثناء في المقام على الوجه المذكور فالظاهر جريانه في سائر الصور لوروده على وجه واحد في الجميع وإن كان في بعض الصور مبنيا على الغفلة دون البعض ومما يشهد بما ذكرناه أنه لو كان ما استعمل فيه المستثنى منه هو الباقي بقرينة الاستثناء لجاز التخصيص المستوعب وبالأزيد من المستثنى منه إذا ورد استثناء آخر على المستثنى بجعله أنقص من المستثنى منه كما إذا قال له على عشرة إلا عشرة إلا خمسة أوله عندي عشرة إلا عشرين إلا خمسة عشر إذ لا استيعاب بالنظر إلى ما أريد من المستثنى في المقام مع أن ملاحظة الاستعمالات تأبى عنه جدا بل الظاهر عدم التأمل في فساده والظاهر أن الوجه فيه هو ما قررناه فيتأيد به ما قلناه ويشير إلى ذلك أن أسامي الأعداد لا يجوز إطلاق الأكثر منها على الأقل من جهة علاقة الكل والجزء في غير الاستثناء كما إذا قال أكرم هذه العشرة مشيرا إلى عشرة رجال إلى رجل واحد أو قال لزيد هذه الدراهم العشرون مشيرا إلى عشرة دراهم إلى غير ذلك من الأمثلة فعدم جواز الاستعمال المذكور مطردا في غير الاستثناء وجوازه فيه على سبيل الاطراد شاهد على عموم عدم استعماله هناك في العدد الأقل إذ لو جاز الاستعمال فيه من جهة العلاقة المذكورة لجاز في المقامين لاتحاد المعنى والعلاقة في الصورتين غاية الأمر أن يكون التفاوت بينهما من جهة القرينة ومن البين أنه لا يختلف الحال في المجازات من جهة اختلاف القرائن وأما سائر المخصصات المتصلة من الشرط والصفة والغاية ونحوها فلأن الظاهر تقييد ما يرد العموم عليها بها فقد قيد بذلك على حسب سائر المطلقات المقيدة ويكون العموم واردا عليه على حسب ما أريد منه وأطلق عليه بعد ضم القيد فيكون العموم واردا عليه على حسبما أريد منه وأطلق عليه بعد ضم القيد فيكون العموم واردا على المقيد لا أن التقييد حصل بعد إرادة العموم بل نقول إن التقييد المذكور كاشف في بعضها من إطلاق المطلق على خصوص المقيد من حيث انطباقه معه حسبما بيناه وحينئذ فيكون العموم واردا عليه كذلك نعم لو كان العموم مرادا من أول الأمر ثم تنبه المتكلم على خلافه فتداركه بالتوصيف أو غيره عن التقييدات لم يتجه فيه ذلك إلا أنه يكون ذلك حينئذ قصرا للحكم الأول على محل الوصف وإخراجا لغيره عما حكم به فيكون كل من تلك الألفاظ مستعملا فيما وضع له ويكون الباقي هو المتلخص من المجموع على نحو ما ذكر في الاستثناء ولا تجوز فيه حسبما عرفت وقد يقال أن يكون التقييد حينئذ رفعا للإرادة الأولى من اللفظ وفسخا لما أريد به من الطبيعة المطلقة بتقييده بالوصف المذكور وإطلاق ذلك المطلق على المقيد حسبما ذكرنا في المتفطن ولا مانع منه مع بقائه محله ولا تجوز فيه أيضا كما عرفت ويجري ما ذكرناه في أسماء الشرط ونحوها نظرا إلى ورود التقييد هناك على حمل الشرط أو الصفة فيكون عمومه أيضا على حسب ذلك على نحو ما قررناه ثم إنك قد عرفت أن استفادة العموم من بعض العمومات ليست بالوضع بل من جهة الالتزام أو ظهور الإطلاق فعدم اقتضاء التخصيص هناك تجوزا في اللفظ أظهر حسبما مر بيانه وأما المخصصات المنفصلة فقد عرفت جريان الوجهين فيها فيمكن أن يكون التخصيص الوارد هناك على غير وجه التجويز بدلالة المخصص على إطلاق ما ورد العموم عليه حين استعماله على خصوص المقيد ويكون المخصص ولو كان منفصلا قرينة دالة على ذلك فيكون العموم واردا على المقيد وأن يكون قرينة دالة على عدم إرادة العموم من اللفظ الموضوع له إلا أنه إنما يتم المجازية فيما إذا كان العام موضوعا للعموم وأما مع استفادة العموم من جهة أخرى فلا مجاز أيضا حسبما مرت الإشارة إليه هذا وقد ظهر بما قررناه دفع ما يورد في المقام من لزوم التناقض في الاستثناء نظرا إلى ما يتراءى من إثبات الحكم تارة للمستثنى ونفيه عنه آخر ولهم في النقض عنه وجوه أحدها أن المراد بالمستثنى منه هو معناه الحقيقي وقد أخرج عنه المستثنى ثم أسند الحكم إلى الباقي من غير أن يكون هناك إسنادان ليحصل التناقض في المقام وقد عزي ذلك إلى جماعة منهم العلامة واختاره المحقق الرضي وحكاه عن جماعة ثانيها أن المراد بالمستثنى منه خصوص الباقي على سبيل المجاز والاستثناء قرينة على التجوز فليس المستثنى داخلا في المستثنى منه ليلزم التناقض بالحكم عليه تارة بالإثبات وأخرى بالنفي وعزي ذلك إلى الأكثر تارة وإلى الجمهور أخرى وأسنده المحقق الرضي إلى البعض وحكاه بعضهم عن السكاكي ثالثها أن مجموع المستثنى منه والمستثنى والأداة اسم للباقي فعشرة إلا ثلاثة اسم للسبعة وله اسمان مفرد ومركب حكاه المحقق الرضي عن القاضي عبد الجبار وعزاه العضدي إلى القاضي أبي بكر وحيث كانت الوجوه المذكورة مسوقة لبيان دفع الإيراد المذكور لم يتعرضوا للاحتجاج على ما اختاروا منها اكتفاء به في مقام دفع الإيراد كما هو الحال في سياق الأجوبة المذكورة عما يورد في المقام وإنما اكتفوا بذكر الوجه المختار